الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
189
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يخفى على مجاوريهم . وجملة وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ معترضة ، والواو اعتراضية وهي اعتراض بين كلاميه المتعاطفين ، أي أخاف عليكم جزاء عادلا من اللّه وهو جزاء الإشراك . والظلم يطلق على الشرك إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] ، ويطلق على المعاملة بغير الحق ، وقد جمع قوله : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ نفي الظلم بمعنييه على طريقة استعمال المشترك في معنييه . وكذلك فعل يُرِيدُ يطلق بمعنى المشيئة كقوله : ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [ المائدة : 6 ] ويطلق بمعنى المحبة كقوله : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ [ الذاريات : 57 ] ، فلما وقع فعل الإرادة في حيّز النفي اقتضى عموم نفي الإرادة بمعنييها على طريقة استعمال المشترك في معنييه ، فاللّه تعالى لا يحب صدور ظلم من عباده ولا يشاء أن يظلم عباده . وأول المعنيين في الإرادة وفي الظلم أعلق بمقام الإنذار ، والمعنى الثاني تابع للأول لأنه يدل على أن اللّه تعالى لا يترك عقاب أهل الشرك لأنه عدل ، لأن التوعد بالعقاب على الشرك والظلم أقوى الأسباب في إقلاع الناس عنه ، وصدق الوعيد من متممات ذلك مع كونه مقتضى الحكمة لإقامة العدل . وتقديم اسم اللَّهُ على الخبر الفعلي لإفادة قصر مدلول المسند على المسند إليه ، وإذ كان المسند واقعا في سياق النفي كان المعنى : قصر نفي إرادة الظلم على اللّه تعالى قصر قلب ، أي اللّه لا يريد ظلما للعباد بل غيره يريدونه لهم وهم قادة الشرك وأئمته إذ يدعونهم إليه ويزعمون أن اللّه أمرهم به قال تعالى : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [ الأعراف : 28 ] . هذا على المعنى الأول للظلم ، وأما على المعنى الثاني فالمعنى : ما اللّه يريد أن يظلم عباده ولكنهم يظلمون أنفسهم باتباع أئمتهم على غير بصيرة كقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ يونس : 44 ] وبظلمهم دعاتهم وأئمتهم كما قال تعالى : وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [ هود : 101 ] ، فلم يخرج تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في سياق النفي في هذه الآية عن مهيع استعماله في إفادة قصر المسند على المسند إليه فتأمله . [ 32 - 33 ] [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 32 إلى 33 ] وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ ( 32 ) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 33 )